العيني

37

عمدة القاري

عن ثابت عن أنس أنهم كانوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة إذ أتى بصحفة خبز ولحم من بيت أم سلمة ، فوضعنا أيدينا وعائشة تصنع طعاماً عجلة ، فلما فرغنا جاءت به ورفعت صحفة أم سلمة فكسرتها . وروى ابن أبي شيبة وابن ماجة ، من طريق رجل من بني سواءة غير مسمًى عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فصنعت له طعاماً ، وصنعت له حفصة طعاماً ، فسبقتني ، فقلت للجارية : إنطلقي فأكفئي قصعتها . فألقتها . فانكسرت وانتثر الطعام ، فجمعه على النطع ، فأكلوا ثم بعث بقصعتي إلى حفصة ، فقال : خذوا ظرفاً مكان ظرفكم ، والظاهر أنها قصة أخرى ، لأن في هذه القصة : أن الجارية هي التي كسرت ، وفي الذي تقدم أن عائشة نفسها هي التي كسرتها ، قوله : ( فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين ) ، قد تقدم من الأحاديث أن التي أرسلت دائرة بين عائشة وزينب بنت جحش وصفية وأم سلمة ، رضي الله تعالى عنهن ، فإن كانت القصة متعددة فلا كلام فيها ، وإلاَّ فالعمل بالترجيح ، كما ذكرنا . قوله : ( مع خادم ) ، يطلق الخادم على الذكر والأنثى ، وهنا المراد : الأنثى ، بدليل تأنيث الضمير في قوله : ( فضربت بيدها فكسرت القصعة ) . وذكر هنا القصعة ، وفي غيره ذكر الجفنة والصحفة ، كما مر ، قوله : ( فيها طعام ) ، قد ذكر في حديث زينب : أنه حيس ، بفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة . وهو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن ، وقد يجعل عوض الأقط : الدقيق أو الفتيت ، وفي حديث الطبراني : خبز ولحم . قوله : ( فضمها ) ، أي : ضم القصعة التي انكسرت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . قوله : ( وقال : كلوا ) ، أي : قال ، صلى الله عليه وسلم لأصحابه الذين كانوا معه . قوله : ( وحبس الرسول ) ، أي : أوقف الخادم الذي هو رسول إحدى أمهات المؤمنين . قوله : ( والقصعة ) ، أي : حبس القصعة المكسورة أيضاً عنده . قوله : ( حتى فرغوا ) أي : حتى فرغت الصحابة الذين كانوا معه من الأكل . قوله : ( فدفع ) ، أي : أمر بإحضار قصعة صحيحة من عند التي هو في بيتها فدفعها إلى الرسول وحبس القصعة المكسورة عنده ، ورأيت في بعض المواضع في أثناء مطالعتي : أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ القصعة المكسورة . وكانت قطعاً ، فاستوت صحيحة في كفه المبارك كما كانت أولاً . ذكر ما يستفاد منه : قال ابن التين : احتج بهذا الحديث من قال : يقضي في العروض بالأمثال ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن مالك ، وفي رواية أخرى : كل ما صنع الآدميون غرم مثله كالثوب وبناء الحائط ونحو ذلك ، ولك ما كان من صنع الله عز وجل مثل العبد والدابة ففيه القيمة ، والمشهور من مذهبه أن كل ما كان ليس بمكيل ولا موزون ففيه القيمة ، وما كان مكيلاً أو موزوناً ، فيقضى بمثله يوم استهلاكه . وقال ابن الجوزي : فإن قيل : الصحفة من ذوات القيم ، فكيف غرمها ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن الظاهر ما يحويه بيته ، صلى الله عليه وسلم ، أنه ملكه فنقل من ملكه إلى ملكه لا على وجه الغرامة بالقيمة . الثاني : أن أخذ القصعة من بيت الكاسرة عقوبة ، والعقوبة بالأموال مشروعة ، ولما استدل ابن حزم بحديث القصعة ، قال : هذا قضاء بالمثل لا بالدراهم . قال : وقد روي عن عثمان بن عفان ، رضي الله تعالى عنه ، وابن مسعود أنهما قضيا فيمن استهلك فصلاناً بفصلان مثلها ، وشبهه داود بجزاء الصيد في العبد العبد ، وفي العصفور العصفور . وفي ( التوضيح ) : واختلف العلماء فيمن استهلك عروضاً أو حيواناً ، فذهب الكوفيون والشافعي وجماعة : إلى أن عليه مثل ما استهلك ، قالوا : ولا يقضي بالقيمة إلاَّ عند عدم المثل ، وذهب مالك : إلى أن من استهلك شيئاً من العروض أو الحيوان فعليه قيمته يوم استهلاكه ، والقيمة أعدل في ذلك ، ثم قال : واتفق مالك والكوفيون والشافعي وأبو ثور ، فيمن استهلك ذهباً أو ورقاً أو طعاماً مكيلاً أو موزوناً أن عليه مثل ما استهلك في صفته ووزنه وكيله . قلت : مذهب أبي حنيفة أن كل ما كان مثلياً إذا استهلكه شخص يجب عليه مثله ، وإن كان من ذوات القيم يجب عليه قيمته ، والمثلي كالمكيل مثل الحنطة والشعير ، والموزون كالدراهم والدنانير ، ولكن بشرط أن لا يكون الموزون مما يضر بالتبعيض ، يعني : غير المصوغ منه ، فهو يلحق بذوات القيم ، وغير المثلي كالعدديات المتفاوتة كالبطيخ والرمان والسفرجل والثياب والدواب ، والعددي المتقارب كالجوز والبيض والفلوس كالمكيل . والجواب عن حديث الباب ما قاله ابن الجوزي المذكور آنفاً ، وقد ذكرنا في أول الباب ما يكفي عن الجواب عن الحديث . وفيه : بسط عذر المرأة في حالة الغيرة ، لأنه لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم عاتب عائشة على ذلك ، فإنما قال : ( غارت أمكم ) ، ويقال : إنما لم يؤدبها ، ولو بالكلام ، لأنه فهم أن المهدية كانت